كيف انتصرت ثورة التحرير، ولماذا أخفقت الثورات الشعبية؟

كتبهامصطفى دالع ، في 31 مارس 2008 الساعة: 10:03 ص

بقلم: مصطفى دالع

إن انتصار الثورة التحريرية (1954 ـ 1962) على أعتا القوى الاستعمارية رغم افتقادها للسلاح خاصة في بداية الثورة بحاجة إلى تحقيق ودراسة موضوعية حول أسباب هذا الانتصار ومقارنته بأسباب إخفاق الثورات الشعبية رغم أن العدو واحد، والشعب واحد لكن لكل ظرف خصوصياته ورجاله ووسائله ومن خلال هذا التحليل المقارن يمكننا فهم سر انتصار ثورة التحرير.

انتشار المد التحرري في تونس والمغرب والفيتنام

   بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 بانتصار الحلفاء على دول المحور استبشرت الشعوب المستعمرة خيرا بهذا النصر معتقدة أنها ستمنح حق تقرير المصير كما وعدتها بذلك الدول الاستعمارية الكبرى بعد أن دفعوا خيرة أبنائهم لتحرير أراضي الدول التي تستعمرهم، غير أن هذه الأخيرة نكثت عهودها، وتأكدت الشعوب المستعمرة بأن الحرية تؤخذ ولا تعطى خاصة بعد ارتكاب فرنسا لمجازر الثامن ماي 1945 بالجزائر، وقام حينها حزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج بإنشاء المنظمة الخاصة في 1947 التي كانت بمثابة الذراع المسلح للحزب، وانتشرت في العالم موجة التحرر في الدول الاستعمارية، وقد تأثرت الجزائر كثيرا بالأوضاع الدولية التي كانت جد مواتية لتفجير الثورة، خاصة بعد نجاح الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر وإطاحتها بالنظام الملكي وإعلانها دعمها لحق شعوب المغرب العربي في التحرر والاستقلال، وكان من المقرر أن تعلن الأقطار المغاربية الثلاث الثورة في نفس الوقت ضد الاحتلال الفرنسي بعد تشكيل جيش لتحرير المغرب العربي حسبما ذكره فتحي الديب في كتابه "عبد الناصر وثورة الجزائر" غير أن هذا الأمر لم يتحقق كما كان مخططا له لأن الأوضاع في الجزائر لم تكن على ما يرام.

     فحركة انتصار الحريات الديمقراطية المنبثقة عن حزب الشعب الجزائري المحل والتي كان من المفروض أن تقود معركة التحرر في الجزائر واجهت أزمة داخلية شتت تركيزها على هدفها الاستراتيجي، ودخلت في صراعات بين أعضاء لجنتها المركزية وزعيمها التاريخي مصالي الحاج، مما أدى إلى تأخر الجزائر قليلا عن تصعيد المواجهة مع جيش الاحتلال بالتنسيق مع تونس والمغرب، وأدى اكتشاف المنظمة الخاصة في 1950 بعد حادثة الهجوم على بريد وهران بقيادة الزعيم أحمد بن بله والتي تلتها قضية "رحيم" إلى تجميد الحزب لجناحه العسكري إلى حين، غير أن هذا الأمر لم يعجب الثوريين داخل الحزب الذين راحوا يضغطون على المصاليين والمركزيين قصد إعادة التحضير لتفجير الثورة خاصة بعد أن عمت الاضطرابات والاحتجاجات كلا من المغرب وتونس ودخلت الفيتنام بقيادة "هوشي منه" حربا تحريرية ضروس ضد قوات الاحتلال الفرنسي بل وحققت انتصارا تاريخيا في معركة "ديان بيان فو" في 1954 على الجيش الفرنسي، وشاهد الجزائريون الذين شاركوا في حرب الهند الصينية كيف اندحرت القوات الفرنسية أمام قوات شعبية أقل منها عددا وعدة وتأكد لهم أن الانتصار على هذا الجيش ليس مستحيلا، بل أن العديد من الجزائريين شاركوا إلى جانب إخوانهم المجاهدين في تونس والمغرب القتال حتى قبل أن تندلع الثورة، في انتظار اليوم التاريخي الذي سيدعو فيه مصالي الحاج الشعب الجزائري لجهاد المحتل حتى تكتمل سلسلة الكفاح المسلح في المغرب العربي ضد الاستعمار الفرنسي، لكن هذا لم يحدث رغم التعبئة النفسية لمناضلي حزب الشعب الجزائري المحل للاستعداد لتلبية نداء الجهاد في أي لحظة، وحتى بعد اتفاق الثوريين مع المركزيين على تشكيل اللجنة الثورية للوحدة والعمل قصد التحضير للثورة إلا أنه تبين للثوريين أن المركزيين ليسوا جادين في إعداد الثورة فقرروا المبادرة والمجازفة بإعلان الثورة بدون دعم حركة انتصار الحريات الديمقراطية بجناحيها لهذه الثورة بل أن هناك من المركزيين من اتهم الثوريين بقيادة الشعب الجزائري نحو مذبحة جديدة على غرار ما حدث في 8 ماي 1945، ومع ذلك تم تفجير الثورة في غرة الفاتح من نوفمبر 1954 وكانت البداية قوية مزلزلة اضطرت فرنسا بعد أقل من عامين على الاعتراف باستقلال كل من تونس والمغرب للتفرغ لثورة الجزائر.

     وبالمقارنة مع الثورات الشعبية التي اندلعت منذ وطئت أقدام العساكر الفرنسيون أرض الجزائر نجد أن الوضع الدولي ما بين 1830 و1916 يتميز بانتشار المد الاستعماري واحتلال معظم دول القارة الإفريقية والمنطقة العربية التي كانت خاضعة لسلطة الخلافة العثمانية، إذ لم تستفد هذه الثورات من الدعم الخارجي فالدولة العثمانية كانت تعاني في بداية احتلال الجزائر من حملات شرسة من الدول الكبرى خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وفقدت عدت أجزاء من إمبراطوريتها المترامية على قارات أسيا وأوربا وإفريقيا وواجهت ثورات داخلية قادها الصرب واليونان في أوربا ومحمد علي في مصر، أما المغرب فالدعم الذي كان يقدمه للأمير عبد القادر كان محدودا ومع ذلك تعرض لضغوطات فرنسية شديدة اضطرته لمنع جيش الأمير من الاحتماء بأرضه ولو باستعمال القوة، فوجد الأمير عبد القادر ظهره مكشوفا وليس له قاعدة خلفية يلجأ إليها، وبعد احتلال تونس في 1882 والمغرب في 1912 مما أفقد مختلف الثورات الشعبية قواعد خلفية أو سند الأشقاء لهزيمة الأعداء.

ثورة التحرير شملت جميع جهات الوطن

    إن القوة الحقيقية لثورة التحرير الجزائرية تكمن في أنها شملت جميع أنحاء القطر الوطني، على عكس الثورات الشعبية التي اقتصرت على مناطق جغرافية محدودة رغم محاولة الأمير عبد القادر فرض سيطرته على جميع أنحاء الجزائر حيث امتدت دولته لتشمل مناطق الغرب والوسط وأجزاء من الجنوب كالأغواط ودخل في معارك مع بعض القبائل المحلية لضمها إلى دولته، وكانت هناك مساعي لتوحيد المقاومة بينه وبين أحمد باي حاكم قسنطينة الذي هزم الفرنسيين في 1836، لكن الطرفان لم يتوصلا إلى اتفاق حسب بعض المؤرخين، فألقت فرنسا بثقلها على مدينة قسنطينة حتى أسقطتها في 1837 ثم توجهت إلى الأمير عبد القادر وقاتلته بعد نقضها لاتفاقية تافنة حتى اضطرته إلى وقف القتال بعد 17 سنة من الجهاد.

    ووعى قادة الثورة أنه يستحيل عليهم الانتصار على الجيش الفرنسي إن لم تشمل ثورتهم جميع القطر الجزائري من شرقه إلى غربه، وأنه لا يجب أن تتخلف أي منطقة عن معركة التحرير، فبعد اجتماع مجموعة الـ 22 التي كانت منقوصة من ممثلين عن منطقة القبائل اتصل قادة الثورة بالزعيم التاريخي كريم بلقاسم وأقنعوه بالانضمام إلى الثورة رغم أنه كان مصالي التوجه، وأصبح كريم ضمن القادة الستة المفجرين للثورة.

    وخلال الشهور الأولى للثورة ركز الجيش الفرنسي عملياته المسلحة على منطقة الأوراس "لدفن الثورة في المكان الذي ولدت منه" حسب تعبير أحد القادة الفرنسيين، لكن البطل زيغود يوسف قائد منطقة الشمال القسنطيني قام "بمخاطرة محسوبة" لفك الحصار عن الأوراس عندما شن هجومات 20 أوت 1955 بعد أن تلقى بعض الرجال والسلاح من الأوراس وأشرك الشعب في هذه الهجومات في وضح النهار وقاتلوا حتى بالأسلحة البيضاء ورغم حجم التضحيات الكبير إلا أن هذه العمليات فكت الحصار على الأوراس وسمحت للثورة بالانتشار أكثر وأكثر في جميع المناطق، وعندما خف لهيب الثورة في الأوراس بعد استشهاد البطل مصطفى بن بولعيد في 22 مارس 1956 ظنت فرنسا أن أيام الثورة الجزائرية أصبحت معدودة لكن الثورة كانت حينها قد ثبتت أرجلها في الشمال القسنطيني وفي منطقة القبائل ووسط الجزائر وفي منطقة وهران ووصلت إلى مرحلة اللاتراجع.

   و عندما طبق الجيش الفرنسي مخطط شال الجهنمي في 1959 إلى غاية 1961 الذي يعتمد على تركيز قوات ضخمة من القوات الفرنسية (نحو 30 ألف عسكري) على منطقة واحدة ولمدة طويلة (نحو شهرين أو ثلاث) إلى غاية تصفيتها نهائيا من مجاهدي جيش التحرير قبل الانتقال إلى المنطقة الأخرى، فشل في القضاء على الثورة، لأن جيش التحرير كان يضرب بقوة في المناطق الأخرى غير المحاصرة وما إن ينسحب منها حتى يستعيد جيش التحرير في المنطقة المحاصرة أنفاسه ويشرع في شن عملياته على مؤخرة قوات العدو المنسحبة.

حرب العصابات التكتيك الذي دوخ جيش العدو

     أحد أهم الأسباب التي أدت إلى إخفاق الثورات الشعبية في تحقيق الانتصار على قوات الاحتلال هو دخولها في معارك ومواجهات مباشرة، أي جيش لجيش رغم عدم تكافؤ الأسلحة لذلك سهل على الجيش الفرنسي دك قوات الخيالة التابعة لجيش الأمير عبد القادر التي كانت تحارب بشكل مكشوف، ورغم بعض الانتصارات المحققة بفضل هذا الأسلوب لكنه كان يخلف خسائر بشرية معتبرة.

   ويشير فتحي الديب المسؤول المصري الذي كان مكلفا بدعم الثورة الجزائرية أن قادة المقاومة في المغرب كانوا يفضلون أسلوب الحرب الكلاسيكية (مهاجمة العدو بشكل مباشر) إلا أن المصريين نصحوا قادة الشعوب المغاربية بتبني أسلوب حرب العصابات الذي أثبت جدواه في حرب الهند الصينية، وتعتمد حرب العصابات على الكر والفر، والهجوم على العدو والانسحاب بسرعة لتفادي الوقوع تحت الحصار وتجنب المواجهات المباشرة غير المتكافئة مع التحصن بالجبال والغابات الوعرة التي يستحيل على الآليات الفرنسية الوصول إليها ويصعب على الطائرات الحربية تحديد أهدافها وإصابة المجاهدين المتحصنين خلف الصخور الصلبة.

   وأصاب أسلوب حرب العصابات الجيش الفرنسي بالجنون لأنه وجد نفسه أمام عدو لا يكاد يراه، يهجم بغتة ويختفي فجأة، مما لا يسمح للقوات الفرنسية بتنظيم صفوفها والقيام بالهجوم المضاد لأن مجاهدي جيش التحرير سرعان ما يتوارون في الجبال والغابات بمجرد إنهاء مهماتهم، وهذا الأسلوب سمح لهم بتقليص خسائرهم البشرية وعدم استنزاف ذخيرتهم المحدودة جدا، وسهل لهم اقتناص عساكر العدو خاصة من خلال الكمائن التي اشتهر بها جيش التحرير.

   وعلى سبيل المثال فإن الجيش الفرنسي عندما طبق مخطط شال الجهنمي بداية من 1959، قام جيش التحرير بتفكيك فيالقه إلى وحدات صغيرة وسريعة الحركة لتجنب الدخول في معارك كبرى قد تؤدي إلى إبادة كتائب كاملة في مواجهة قوات ضخمة تفوقهم عددا عشرات المرات وتتفوق عليهم بسلاح الطيران والأسلحة الثقيلة والأسلاك الشائكة وحقول الألغام كما أن دخول المجاهدين في مواجهات مسلحة لفترة طويلة ومستمرة يعني أنهم قد يفقدون كامل ذخيرتهم وبالتالي لن يكون لأسلحتهم معنى خاصة في ظل الغلق المطبق للحدود الشرقية والغربية مما جعل تهريب الأسلحة والذخيرة إلى الداخل أمرا صعبا، لذلك شكلت حرب العصابات إحدى الأساليب لاستنزاف قوات العدو.

 

الجناح الدبلوماسي للثورة عززها دوليا

     ركزت الثورات الشعبية في عمومها على الجانب العسكري والروحي وأهملت الجانب الدبلوماسي أو لم يكن لقادتها علاقات قوية مع الدول الأجنبية إلا في حدود ضيقة فقد كانت للأمير عبد القادر علاقات ومراسلات مع ملك المغرب كما كانت لبعض قادة الثورات الشعبية اتصالات ببايات تونس بحكم القرب الجغرافي كما كان الحج إحدى وسائل الدعاية للقضية الجزائرية في الخارج إلا أن صوت هذه الثورات كان خافتا، ووجد الجزائريون أنفسهم شبه معزولين في مقاومة الاحتلال خلال العقود الأولى للغزو الفرنسي للجزائر، غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير قبيل وبعد اندلاع الثورة الجزائرية، حيث نجح الزعيم أحمد بن بله في ربط علاقات متينة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر وأقنعه بضرورة دعم الثورة الجزائرية بالسلاح والدعاية وفي المحافل الدولية، واستطاع قادة الثورة المشاركة في المؤتمر الأفرو آسياوي في باندونغ الإندونيسية في 1955 وإيصال صوت الجزائر المقاومة إلى الخارج، بل وتمكن قادة الثورة في الخارج من تحقيق نصر دبلوماسي استراتيجي عندما تمكنوا من جدولة القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة رغم معارضة فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن.

    وكانت جبهة التحرير الوطني بمثابة الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني الذي يمثل جناحها العسكري وقد نصت مواثيق مؤتمر الصومام على أولوية السياسي على العسكري أي أن جيش التحرير يخضع لتوجيهات وأوامر جبهة التحرير، وتولت قيادة جبهة التحرير الوطني رسم استراتيجية الثورة والتفاوض باسمها وازدادت فعالية الدبلوماسية الجزائرية بعد الإعلان عن إنشاء الحكومة المؤقتة في 19 سبتمبر 1958 والتي حظيت باعتراف الكثير من دول العالم أولها العراق الشقيق، وتعرضت الدبلوماسية الفرنسية إلى إخفاقات كثيرة بعد أن استطاع الثوار الجزائريون فضح الجرائم الاستعمارية خاصة بعد مجزرة ساقية سيدي يوسف الذي ادعى الجيش الفرنسي أنه قصف مراكز لجيش التحرير الوطني على الأراضي التونسية وبعد قدوم الصحافيين والمصورين الأجانب إلى عين المكان تم اكتشاف جثث أطفال ونساء ومدارس ومراكز صحية مهدمة على من فيها فانفضح زيف الادعاءات الفرنسية وشن الإعلام العالمي حملة شعواء ضد الفرنسيين وتم تدويل القضية بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والصليب الأحمر الدولي في القضية الجزائرية التي كسبت تعاطف الرأي العام الدولي،

 وكان لقوة وصلابة المفاوضين الجزائريين دورا مهما في التوقيع على اتفاقية إيفيان التي نصت على وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 كمقدمة لإعلان استقلال الجزائر بعد استفتاء الشعب الجزائري حول تقرير المصير.      

 

القيادة الجماعية

   ارتبطت المقاومات الشعبية بأسماء قادتها وزعمائها الأبطال على غرار ثورة الأمير عبد القادر وثورة المقراني والشيخ الحداد وثورة الشيخ بوعمامة وبوبغلة ولالا فاطمة نسومر لكن نقطة ضعف هذه الثورات الجوهرية أنها كانت تندثر ويخبو لهيبها بمجرد استشهاد بطلها الملهم أو وقوعه في الأسر، وعلى العكس من ذلك تبنى مفجرو ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 مبدأ القيادة الجماعية ممثلة في مجموعة الستة، رغم أنهم سعوا من قبل إلى مصالي الحاج في منفاه بمدينة "نيور" شمال فرنسا لحثه على تبني الثورة على أن تفجر باسمه لكنه رفض ذلك قبل تنقية الحزب من المناوئين له (المركزيين)، وكذلك فعل لمين دباغين أحد القادة الوطنيين البارزين الذي رفض تحمل مسؤولية قيادة ثورة لم يشرك في التحضير لها، ولذلك قرر ثوريون من الدرجة الثانية وحتى الثالثة في الحزب تفجير الثورة وتبني مبدأ القيادة الجماعية.

   وبرزت أهمية القيادة الجماعية في كونها ضمنت استمرارية الثورة حتى بعد استشهاد قادتها المؤسسين أمثال ديدوش مراد قائد الشمال القسنطيني (استشهد في جانفي 1955) ومصطفى بن بولعيد قائد الأوراس (استشهد في 22 مارس 1956)، واعتقال رابح بيطاط قائد وسط الجزائر (أسر في 1955) وعند اختطاف طائرة زعماء الخارج الأربعة (أحمد بن بله، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد ومحمد خيضر) في 22 أكتوبر 1956 لم يخبو لهيب الثورة ولم تنطفئ جذوة النضال من أجل التحرر بل ازدادت اشتعالا واستعارا لأن الثورة تجاوزت الأسماء والأشخاص لتصبح قضية شعب لم يعد يأبه بحجم التضحيات بقدر إصراره على التمسك بحريته واستقلاله.

   فالقيادة الجماعية سمحت بتعويض القادة الذين استشهدوا أو اعتقلوا بسرعة حتى لا يقع جنود جيش التحرير فريسة للتشتت والفوضى، ورغم أهمية القادة الذين استشهدوا أمثال العقيد عميروش أحد قادة منطقة القبائل (الولاية الثالثة) والعقيد سي الحواس قائد منطقة الصحراء (الولاية السادسة) ومن بعدهما العقيد سي امحمد بوقرة قائد وسط الجزائر (الولاية الرابعة) والذين استشهدوا في عام 1959 إلا أن جيش التحرير كان يستعيد أنفاسه بعد كل محنة، وكانت قوته تتعاظم من عام إلى عام، وتعلم جنوده كيف يؤمنون بالقضية قبل أن يؤمنوا بالأشخاص.

 

التعبئة العامة للجماهير إعلاميا

   في عهد الثورات الشعبية لم يكن الإعلام السمعي البصري قد ظهر إلى الوجود بعد إلا في مراحل متأخرة (ظهور الإذاعة كان نحو 1920 أما التلفزيون فظهر في 1940) لذلك لم تستفد الثورات الشعبية من الإعلام الجماهيري كما أن أول جريدة مطبوعة في الجزائر دخلت مع الاستعمار في 1830 حسب بعض المراجع التاريخية، وهو ما يبين عدم اعتماد هذه الثورات سوى على الاتصال التقليدي الذي يركز على الخطب الحماسية والرسائل الخطية. 

   إلا أنه وفي ثورة التحرير لعب الإعلام الثوري دورا لا يستهان به في حشد الجماهير وتعبئتهم عبر الإذاعة أو الجرائد، ويجدر التنويه هنا بإذاعة صوت العرب التي تلي على أمواجها بيان أول نوفمبر وساهمت في تعريف الشعب الجزائري والشعوب العربية بعدالة القضية الجزائرية وضرورة دعمها بالغالي والنفيس من أجل تحقيق الهدف الأسمى وهو الاستقلال.

   وقد وجد المجاهدون في الشهور الأولى للثورة صعوبات في إقناع الأهالي بأهداف الثورة وأبعادها لكن الإعلام وخاصة المسموع قام بهذا الدور واختصر على المجاهدين الكثير من الجهد والوقت، بل أن الإعلام السمعي ساهم في إيصال صوت الثورة إلى شعوب العالم خاصة الشعوب العربية التي دعمت القضية الجزائرية وأعطتها أولوية خاصة حتى أن الفلسطينيين ورغم نكبة 1948 والعدوان الثلاثي على مصر في 1956 واحتلال قطاع غزة إلا أنهم كانوا يجمعون التبرعات للثورة الجزائرية على غرار بقية الشعوب العربية التي كانت تنظم المظاهرات الحاشدة والمنددة بالاحتلال الفرنسي للجزائر. 

          

الدعم المالي الكبير

    لا بد لأي ثورة من أموال لشراء الأسلحة والذخيرة والمؤن لرجالها، وكلما كان حجم الأموال كبيرا كلما كانت الثورة أقوى وأطول نفسا، ومشكلة الثورات الشعبية أنها اعتمدت بصفة أساسية على مواردها المحلية أو دعم محدود من بعض جيرانها (تونس والمغرب)، أما الثورة التحريرية فقد عانت كثيرا من نقص الأموال في مرحلة التحضير لذلك اضطرت المنظمة السرية لحزب الشعب في 1950 بالهجوم على بريد وهران والاستيلاء على الأموال التي فيه، وشراء الأسلحة التي تم إخفاؤها في الأوراس حسب شهادة الرئيس الأسبق للجزائر أحمد بن بله في حصة شاهد على العصر التي بثتها قناة الجزيرة في 2002، كما أن الدعم الذي قدمته اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية للثوريين كان هزيلا فرفضوه وتم حل اللجنة الثورية للوحدة والعمل وقرر الثوريون تفجير الثورة بإمكانياتهم الخاصة، وقد نظم جيش التحرير عملية جمع الاشتراكات في صفوف الشعب وكلف مناضلين ومسبلين بجمع هذه الاشتراكات والأهم من ذلك كانت فدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا تجمع أموال كبيرة والتي غطت جزءا هاما من الأعباء المالية للحرب كما قدمت العديد من الحكومات العربية تبرعات سخية للثورة الجزائرية، ونظمت عدة حملات شعبية لجمع التبرعات لصالح الثورة على غرار ما حدث في دول الشام بل إن دولا من المعسكر الشرقي جمعت تبرعات للشعب الجزائري المقاوم على غرار ما حدث في يوغسلافيا سابقا في عهد الرئيس تيتو، وساهم مسلمو البوسنة والهرسك الذين كانوا حينها ضمن الفدرالية اليوغسلافية في جمع بعض التبرعات، ولم تمثل التبرعات التي تأتي للثورة الجزائرية من الخارج مجرد دعم مالي فحسب بل كانت تؤكد على السند القوي الذي تلقاه الثورة الجزائرية من شعوب العالم في كفاحها من أجل قضيتها العادلة.

 

 التدريب

    بالرغم من الإخلاص وحب الجهاد الذي كان يميز رجال الثورات الشعبية إلا أنهم كانوا يعانون من نقص التدريب وقليلون هم الذين يجيدون استعمال الأسلحة الحديثة إن توفرت، لذلك قام الأمير عبد القادر بالاهتمام بالتدريب لأن الجنود المدربون أكثر فاعلية في المعارك والحروب، غير أن معظم رجال المقاومات الشعبية لم يكن قد سبق لهم أن شاركوا في الحروب، أما ثورة التحرير الجزائرية فقد استفادت من الضباط والعساكر الجزائريين المجندين في الجيش الفرنسي أو أدوا الخدمة العسكرية فيه خاصة أولئك الذين خاضوا عدة معارك في الحرب العالمية الثانية وفي حرب الهند الصينية أو في سوريا والذين كانوا يتمتعون بتدريب جيد، وتجدر الإشارة إلى أن العديد من قادة الثورة كانوا قد تلقوا تدريباتهم العسكرية قبل الثورة في الجيش الفرنسي لأن المحتل كان يفرض على الشباب الجزائري التجنيد الإجباري في صفوفه كرها أمثال أحمد بن بله.

   وبعد اندلاع الثورة عمل جيش التحرير الوطني على استقطاب المجندين في الجيش الفرنسي للاستفادة من الأسلحة والذخيرة التي يهربونها من الثكنات الاستعمارية ولخلخلة صفوف الاستعمار الذي كان الجزائريون يشكلون جزء لا يستهان به من تركيبته العسكرية، والاستفادة أيضا من الخبرة العسكرية التي يتميزون بها، وقد أنشأ جيش التحرير مدارس أكاديمية لتدريب المجاهدين على الأراضي التونسية بالقرب من الحدود الجزائرية وأشرف على هذه المدارس الضباط الفارون من الجيش الفرنسي والذين برز دورهم خلال حرب التحرير في استعمال سلاح المدفعية بدقة، ولعب هؤلاء الضباط دورا لا يجب التقليل من شأنه خلال الثورة التي ساعدت في إنجاحها عدة عوامل مجتمعة، فحق لكل هؤلاء المجاهدين باختلاف مستوياتهم الاحترام والتبجيل.

             

    هذه بعض العوامل التي ساهمت في انتصار الثورة الجزائرية رغم وجود عوامل أخرى ساهمت في انتصار الثورة الجزائرية على غرار الالتفاف الشعبي حول الثورة والذي أمدها بالدعم اللوجستيكي، والسرية التي تميز بها المجاهدون والتي أنقذت الثورة من انكشاف أسرارها وتعريض حياة قادتها ورجالها للخطر، وحسب تحليل الفريق سعد الدين الشاذلي قائد أركان القوات المسلحة في حرب 1973 مع إسرائيل فإن قوة الثورة الجزائرية في قواعدها الخلفية التي تمثلها الجبال والحدود التونسية والمغربية التي كان يأوي إليها المجاهدون في المعارك الحامية الوطيس، لذلك يرى بأنه لا يمكن تكرار تجربة الثورة الجزائرية في فلسطين لأنها لا تملك جبال مثل التي تملكها الجزائر، ورغم أهمية هذا التحليل إلا أن انتصار الثورة الجزائرية على الفرنسيين لا يمكن ربطه بعامل واحد دون الإشارة إلى بقية العوامل الأخرى، لذلك لجأنا لمقارنة ثورة التحرير بالثورات الشعبية لإبراز العوامل الأساسية في تحقيق الانتصار.  

  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثورة الجزائر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “كيف انتصرت ثورة التحرير، ولماذا أخفقت الثورات الشعبية؟”

  1. الحديث عن الثورة جميل وممتع..اكيد كان رجال..لكن السؤال الوجيه/مادا بعد الاستقلال؟ماذا يمكن ان نضيف للتاريخ؟

    للاجابة عن هدا السؤال وغيره مما قد يتبادر الى الذهن..اليكم الرابط

    http://www.colombo23.jeeran.com/algeriemafia/

  2. قبل أن نتحدث عن ما بعد الاستقلال علينا أن فهم تاريخ هذه الثورة بكل حقائقها وتفاصيلها لأن فيها تفسيرا للكثير من الأحداث التي جرت بعد الاستقلال وحتى يونا هذا.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر