الجزائر كانت من بين أبرز مؤسسي البنك الإسلامي للتنمية

كتبهامصطفى دالع ، في 14 يناير 2009 الساعة: 16:03 م

التاوتي طاف أصقاع العالم لمساعدة المحرومين من المسلمين

 

مصطفى دالع

    الكثير من الجزائريين يجهلون الدور الفاعل للجزائر في تأسيس أول بنك دولي إسلامي في 1975 أطلق عليه اسم البنك الإسلامي للتنمية ساهمت في رأسماله معظم دول العالم الإسلامي، والذي تحتضن السعودية مقره العام، ومثل الجزائر في هذا البنك المرحوم الصديق التاوتي الذي كان أحد المؤسسين البارزين للبنك، حيث عين عضوا في مجلس المدراء التنفيذيين، أسبوعية الدعوة أرادت نفض الغبار عن الدور الذي لعبته الجزائر من خلال الصديق التاوتي في تأسيس البنك الإسلامي للتنمية ومساعدة المسلمين في شتى أصقاع الأرض فقابلت نجله مصطفى كمال الذي زودنا بالكثير من الوثائق والصور التي تبرز هذا الدور. 

  فكرة تأسيس البنك الإسلامي تعود حسب السيد مصطفى كمال التاوتي إلى عام 1973 خلال اجتماع قمة رابطة العالم الإسلامي في مدينة لاهور الباكستاني والتي بادر فيها الملك فيصل باقتراح تأسيس بنك إسلامي دولي تتطابق معاملاته مع الشريعة الإسلامية وهو ما لاق موافقة الدول الإسلامية، وشرع في تأسيس البنك في 1974 بمساهمة 43 دولة إسلامية، وعقد أول اجتماع لمجلس إدارة البنك في جويلية 1975، لكن مصادر أخرى تؤكد بأن فكرة تأسيس بنك إسلامي دولي تعود إلى نهاية الستينات عندما أجمع علماء الأمة الإسلامية على اعتبار الفوائد البنكية ربا محرما، وهو ما جعل الملك فيصل يبادر لتأسيس البنك الإسلامي للتنمية والذي ساهمت السعودية بحصة هامة من رأسمال البنك. 

  بالنسبة للجزائر فقد قررت انتداب الصديق التاوتي في 1974 إلى كوت ديفوار ليكون أول جزائري يعين مديرا للبنك الإفريقي للتنمية، لكن التاوتي لم يكن متحمسا للذهاب إلى أبيدجان، فاتصل بالرئيس هواري بومدين وطلب منه أن يعفيه من الذهاب إلى كوت ديفوار، فقبل الرئيس بومدين اعتذاره وانتدبه في منصب لا يقل أهمية عن مدير بنك إفريقي، حيث كلفه بتمثيل الجزائر في البنك الإسلامي للتنمية الذي كان في طور التأسيس والذي كان يتولى متابعته محفوظ عوفي أمين عام وزارة المالية، وكان للصديق التاوتي أن يكون واحدا من مؤسسي هذا البنك التاريخي، ويعترف رئيس البنك الإسلامي للتنمية الدكتور محمد علي المدني في الرسالة الموجهة إلى مصطفى كمال التاوتي بالدور الذي لعبه والده في تأسيس البنك الإسلامي للتنمية حيث عين في 20 أكتوبر 1975 عضوا في مجلس المديرين التنفيذيين.

  ويؤكد نجله مصطفى كمال أن دور الجزائر لم يكن رمزيا عند تأسيس البنك حيث انتخبت رفقة مصر كممثلين للكتلة العربية في مجلس المديرين التنفيذيين لمدة خمس سنوات، وانتخبت إلى جانبهما كل من ماليزيا وباكستان ممثلتين للكتلة الآسياوية بينما انتخبت غينيا والنيجر ممثلتين للكتلة الإفريقية، وترأس البنك الدكتور محمد علي المدني من السعودية والذي لازال يرأس البنك إلى يومنا هذا، رغم أنه استدعي لرئاسة رابطة العالم الإسلامي لمدة عام ونصف بمكة المكرمة، وخلفه على رأس البنك الشيخ حسن الفقيه الذي كان يرأس صندوق النقد العربي، غير أن تعيين هذا الأخير وزيرا للتجارة في السعودية، دفع الرياض إلى إعادة تنصيب الدكتور محمد علي على رأس البنك الإسلامي للتنمية.

ابن بطوطة الجزائري

   بعد انتهاء عهدته في مجلس المديرين التنفيذيين عين بدلا من الدكتور الصديق التاوتي بدر الدين نويوى الذي كان محافظا للبنك المركزي ووزيرا سابقا للميزانية ومازال إلى يومنا هذا ممثلا للجزائر في البنك الإسلامي للتنمية، بينما عين الصديق التاوتي في 1979 كأول مساعد لرئيس البنك الإسلامي للتنمية مكلفا بالمعونة الخاصة للمجتمعات الإسلامية، واستمر في هذا المنصب إلى غاية 1987 وطيلة هذه الفترة طاف الدكتور التاوتي العالم من أقصاه إلى أقصاه بحثا عن المسلمين الذين هم في حاجة إلى إعانة خاصة الأقليات المسلمة في أقاصي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وسيبيريا حتى فاق عدد البلدان التي زارها 170 بلدا، حتى قيل عنه بأنه صلى نحو الكعبة من كل الجهات، فلقب بابن بطوطة الجزائر وكريستوف كولومبس لأنه اكتشف المسلمين الجزائريين المبعدين منذ ثورة المقراني في 1871 إلى كاليدونيا الجديدة الموجودة في الطرف الآخر من العالم وأعاد ربطهم مجددا بوطنهم الأم.

الخمير الحمر قتلوا أكثر من نصف مليون مسلم كمبودي

  كما زار الدكتور التاوتي المسلمين في الفيتنام وكمبوديا وألف عنهم كتابا بعنوان المسلمون في جنوب شرق آسيا، واكتشف خلال دراسته لقبائل تشمبا المسلمة ما بين 1980 و1981 حقيقة مؤلمة حيث تعرض المسلمون في كمبوديا إلى حرب إبادة متوحشة على يد الخمير الحمر بقيادة بول بوت الذي قتل خلال خمس سنوات (1975 ـ 1980) نحو 5 ملايين كمبودي، وتراجع عدد المسلمين الكمبوديين من قرابة 800 ألف نسمة إلى 190 ألف فقط مما يعني أن الخمير الحمر أبادوا أكثر من نصف مليون مسلم خلال خمس سنوات، وقد شارك بدراسة عن المسلمين في كمبوديا نشرت بالأنجليزية في موسوعة إكسفورد: العالم الإسلامي المعاصر، نيويورك 1995.

   ومن خلال الصندوق الذي أنشأه البنك الإسلامي للتنمية لإعانة المسلمين في العالم تم تمويل العديد من المشاريع التنموية والاجتماعية لمسلمين في إفريقيا والأقليات المسلمة في جنوب شرق آسيا بالأخص، على غرار زنجبار ومدغشقر، وتانغا وسلطنة تانغا في آقاصي المحيط الهادي وجزر موريس التي مول البنك مشروع إنشاء دار للأيتام، وتم إنجاز جامعات ومستشفيات ومراكز إسلامية ومساجد باقتراح من الدكتور التاوتي الذي كان يتفقد أحوال المسلمين في العالم كأب حنون يريد جمع شتات هذه الأمة وربطها بدينها وإحياء سنة التكافل الإسلامي بين جميع المسلمين مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم وأجناسهم وثقافاتهم المحلية.

جزائري أصبح زعيما روحيا لمسلمي فيجي في الباسفيك

   بعد بعض الأقليات الإسلامية عن مركز العالم الإسلامي وإقامتهم وسط مجتمعات مسيحية ووثنية كاد أن يذيبهم في هذه المجتمعات وينسيهم دينهم الذي لم يبق منه في بعض هذه المناطق سوى الاسم، حتى إنك لا تجد مسجدا يجمع آلاف المسلمين في دولة بأكملها، على غرار ما كان عليه الحال في كاليدونيا الجديدة وسلطنة تانغا ـ التي توفي سلطانها مؤخرا ـ فهذه الأخيرة وإلى وقت غير بعيد لم يكن لهم إمام يؤمهم في الصلاة وعانى 7 آلاف مسلم في سلطنة تانغا ـ التي لا تمثل سوى نقطة على خريطة العالم في أقاصى المحيط الهادي ـ من حملات تبشير مركزة، وقدم الدكتور صديق التاوتي من خلال البنك الإسلامي للتنمية دعما قويا لمسلمي تانغا حتى قال عنه سفير الجزائر في باكستان آنذاك العربي دماغ العتروس الإسلام وصل إلى تانغا بفضل التاوتي.

    كما زار ابن بطوطة الجزائري جزر فيجي المعروفة باضطراباتها السياسية والتي لا تبعد كثيرا عن سلطنة تانغا، وعندما هم بالمغادرة أراد أن يأخذ تذكارا لأهله فقصد تاجرا ومن خلال حديثه اكتشف التاوتي أن صاحب المحل جزائري هو الآخر ومقيم في فيجي التي تبعد عن الجزائر بآلاف الكيلومترات منذ 30 سنة، فأهداه هذا التاجر خاتما ليذكر التاوتي بأن الجزائريين لم يتركوا بلدا قريبا أو بعيدا إلا وزاروه وتركوا آثارهم تحكي عن مرورهم يوما من هنا.

 قصة الصديق التاوتي مع فيجي لم تنته هنا، إذ أن أحد الشباب الجزائريين من معسكر والذي درس الشريعة بالسعودية انتدب ليكون إماما في المسجد الذي بناه بنك التنمية الإسلامي في كاليدونيا الجديدة لكن السلطات الفرنسية رفضت منحه تأشيرة للعمل، علما أن كاليدونيا لازالت إلى اليوم تابعة للاستعمار الفرنسي الذي قضى على ثورات الكاناك (السكان الأصليين لكاليدونيا الجديدة)، فقام الصديق التاوتي بإرساله إلى دولة فيجي أين أصبح إماما للأقلية المسلمة هناك يعلمهم اللغة العربية وأصول الإسلام، حتى أصبح هذا الشاب الجزائري ـ حسب مصطفى كمال التاوتي ـ زعيما روحيا للمسلمين في فيجي، وأشار هذا الأخير إلى أن عدد المسلمين في أقصى جنوب شرق آسيا يقدرون بنحو 20 ألف مسلم من أصل نحو 240 ألف نسمة. 

إقبال كبير لمسلمي الصين على المساجد

  كما زار الصديق التاوتي مسلمي قبيلة ليهون في غرب الصين في 1986 رفقة وفد رسمي ترأسه وزير الأوقاف المصري، أين تم معاينة مشروع تشييد مركز إسلامي صيني موله البنك الإسلامي للتنمية، ويضم هذا المركز مسجدا ومكتبة ومطعما ومركزا تجاريا وشققا سكنية، ويقدر عدد مسلمي الصين حسب مصطفى كمال التاوتي بثمانين مليون نسمة آنذاك أي أكثر من ضعفي عدد سكان الجزائر حاليا.

    ومن خلال تصفحنا لأحد آلبومات الصور التي تركها المرحوم الصديق التاوتي، أدهشتنا مساجد المسلمين الصينيين التي زاوجت بين الفن المعماري الإسلامي والفن المعماري الصيني وحبهم للإسلام واللغة العربية التي وإن لم تكن منتشرة بقوة وسط الصينيين إلا أن الصور تظهر كلمات عربية منقوشة إلى جانب ترجمتها بالأحرف الصينية على مداخل المساجد ومقابر المسلمين على غرار بسم الله الرحمان الرحيم التي نقشت على مداخل إحدى المقابر، وقد اطلع التاوتي على مصحف يملكه مسلمو الصين يعود إلى عام 718 هجري.

   وترك المرحوم التاوتي ملاحظات مكتوبة بالفرنسية عن زيارته تلك إلى الصين نسردها لكم مترجمة بالعربية فيقول خلال أدائي لصلاة الجمعة بأحد مساجد الصين، كان المسجد ممتلئا بالمصلين ولاحظت الكثير من الشباب، وثلاث صفوف للنساء في آخر المسجد، وكان هناك مصلين في ساحة المسجد وفي الخارج أيضا، وبعد الأذان الأول صلى الإمام ركعتين ثم قدم درسا باللغة الصينية وتابعه المصلون بإنصات لمدة عشرين دقيقة، وبعد الآذان الثاني خطب الإمام باللغة العربية في الخطبة الأولى فذكر آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية وفي الخطبة الثانية ذكر أقوال العلماء والدعاة ولم تتجاوز مدة الخطبتين 10 دقائق، ولما أكمل الصلاة قابلته ولكني وجدت الأمام ضعيفا في اللغة العربية فاستنتجت بأنه كان يحفظ الأيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال العلماء عن ظهر قلب، وزار التاوتي أيضا المسجد الكبير في الصين وقابل الإمامين صالح وداوود، وعبر عن اندهاشه للإقبال الكبير للمسلمين الصينيين على المساجد خاصة في صلاة العيد والجمعة وقدر عددهم بالألوف بالمسجد الكبير، حيث لاحظ عندما صلى العصر في هذا المسجد رفقة نحو 800 مصلي.

مسلمو إفريقيا لن ينسوا أبدا التاوتي

   عانى المسلمون في إفريقيا من الجوع والفقر وحروب الإبادة خاصة في الدول التي يمثلون فيها أقليات مضطهدة، وقد خصص البنك الإسلامي للتنمية حصة هامة من الإعانات لتمويل مشاريع المجتمعات الإسلامية في إفريقيا، وتكفل الصديق التاوتي بالإطلاع عن أحوال المسلمين في إفريقيا عن قرب ورصد احتياجاتهم وتحديد نوعية المساعدة التي يمكن للبنك تقديمها.

   ومن خلال الصور التي كانت شاهدة على المشاريع التي قدمها البنك الإسلامي للتنمية من خلال الصديق التاوتي تبين لنا حجم الحب الذي يكنه مسلمو إفريقيا لهذا الرجل، فأينما ذهبت وجلت في إفريقيا ستجد آثار التاوتي حاضرة سواء في إثيوبيا أو النيجر وزنجبار وكينيا ومدغشقر وجزر القمر والكونغو برزافيل والكونغو كينشاسا، والكامرون وغينيا وسراليون والبنين والداهومي وجنوب إفريقيا وغيرها، ومن خلال الصور التي اطلعنا عليها وجدنا أن البنك الإسلامي للتنمية ربط علاقة قوية مع دولة البنين من خلال مركب فلاحي متعدد التقنيات بمدينة نيتانغو، كما مول البنك مشروع إنجاز جامعة بالنيجر تبعد عن العاصمة ميامي بـ40 كيلومتر وحضر التاوتي حفل التدشين الذي ربط علاقات جيدة مع رؤساء دول أفارقة وأعيان القبائل المسلمة في مختلف البلدان الإفريقية التي زارها، كما تجدر الإشارة إلى أن بنك الإسلامي للتنمية ساهم في تمويل طريق الوحدة الإفريقية ومشروع إنجاز ميناء جنجن بجيجل.

    ويبرز هذا المقال الدور الفاعل الذي لعبته الجزائر في تأسيس البنك الإسلامي للتنمية من خلال الدكتور الصديق التاوتي، الذي ساهم أيضا وباسم البنك في اكتشاف الأقليات الإسلامية المغمورة في أقاصي المعمورة والتي لا يعرف عنها المسلمون إلا النزر القليل، وتمكن من ربطها بالعالم الإسلامي وتقديم المساعدة لها من خلال صندوق خاص أنشأه البنك الإسلامي للتنمية من أجل مساعدة المسلمين في العالم بتشييد المساجد والمراكز الإسلامية والمعاهد والمستشفيات وغير ذلك مما قوى لحمة المسلمين بعضهم ببعض.

    


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اقتصاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر