مدونة الصحفي مصطفى دالع

الخميس,أكتوبر 09, 2008


تحقيق من الجزائر: مصطفى دالع

هل سيتحقق الحلم بعد قرابة 38 سنة من الوعود؟ سؤال لازال يطرحه إلى اليوم الكثير من الجزائريين حول مصير ميترو الجزائر الذي قيل بأن الأشغال في شطره الأول ستنتهي بنهاية هذا العام، وأن الجزائريين سيركبون قطار الأنفاق لأول مرة مع العام المقبل، مجلة "العواصم الجديدة" أرادت قطع الشك باليقين وانتقلت إلى عين المكان واقتربت من الفاعلين في هذا المشروع وجاءتكم بهذا التحقيق، تابعوا...

    فكرة إنشاء ميترو الجزائر لم تكن حديث السنوات الأخيرة فقط، بل طرحت ضمن برنامج متكامل لتهيئة النقل الحضري بالعاصمة في الفترة ما بين 1970 و1980 أي في عهد الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وفي جوان 1981 قرر مجلس الحكومة تخصيص ميزانية لإنجاز مشروع شبكة لميترو الجزائر رغم أن الجزائر حينها لم تكن تملك شركات سبق لها وأنجزت مشاريع من هذا النوع حسب المدير العام بالنيابة لمشروع ميترو الجزائر السيد الطيب زنداوي، لكن القرار السياسي اتخذ ولا بد على الشركات الجزائرية التنفيذ، وقد ساهم ارتفاع البترول آنذاك إلى مستويات قياسية لامست سقف 44 دولار للبرميل في اتخاذ قرار ضخ أموال لبدء هذا المشروع، وتم إطلاق في آفريل 1982 أول دراسة تقدم تصور عام حول ميترو الجزائر بالإضافة إلى دراسة تقنية للمشروع، وبدا أن مشروع ميترو الجزائر دخل فعليا مرحلة التنفيذ.

   تولت شركتي "آراتبي" و"سوفريتو" عملية إعداد الدراسات الأساسية حول المشروع والتي امتدت ما بين 1982 و1985 وقدمتا مخططا عاما حول الميترو الذي يتشكل من ثلاث محاور رئيسية يبلغ طولها في المجموع 56 كيلومتر وتضم 54 محطة، ونظرا لطول المحاور الثلاث وتطلبها لأموال كبيرة فقد تم الاقتصار على محور رئيسي يمتد من حي وادي قريش إلى حي البدر على طول 12.5 كيلومتر.

  غير أن الرياح تهب بما لا تشتهي السفن، حيث انهارت أسعار النفط فجأة في 1986 إلى ما دون 11 دولار للبرميل، مما أدى إلى عجز خزينة الدولة عن تمويل الكثير من المشاريع المسطرة، فجمد معظمها وكان ميترو الجزائر إحدى هذه المشاريع المجمدة.

  ورغم الظروف الصعبة التي مر بها هذا المشروع إلا أن الدولة الجزائرية كانت مصرة على إنجازه رغم تطلبه لإمكانيات مالية وتقنية هامة لم تكن الجزائر تتوفر عليها حينها، حيث انطلقت أشغال حفر النفق في مرحلته الأولى الممتدة من شارع الأمير عبد القادر في وسط العاصمة إلى الحامة شرقا ما بين جوان 1990 وجوان 1995، غير أن الظروف السياسية والأمنية الحرجة التي مرت بها البلاد خلال سنوات التسعينات أدت إلى تجميد المشروع مجددا.

   أحد الإطارات المتقاعدة التي تابعت مسيرة مشروع ميترو الجزائر منذ سنوات السبعينات شدد على أن تأخر إنجاز ميترو الجزائر كل هذه السنوات راجع بالأساس لأن الأمر خاضع لقرار سياسي، فإنجاز مشاريع بهذا الحجم لا بد من قرار سياسي حاسم لتذليل الصعوبات التي توضع في الطريق مشيرا إلى أن الشركات الجزائرية أنجزت مشاريع ضخمة مثل ملعب 5 جويلية الأولمبي، وساحة رياض الفتح ومقام الشهيد، وبإمكانها القيام بمشاريع أكبر عندما تتاح لها الفرصة وتوفر لها الإمكانيات.

مرحلة الحسم

    ومع صعود الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في الجزائر في 1999 أعطي للمشروع نفس جديد، ففي جانفي 2000 أطلق وزير النقل الجزائري دراسة جدوى اقتصادية ومالية لمشروع ميترو الجزائر تكفلت بإنجازها مجموعة من الشركات المكلفة بالدراسات (ساليسترو، ريدل، سيسترا)، وسلمت الدراسة في عام 2000 وأقرت ما اصطلح عليه "نظام الميترو" كوسيلة مهمة للنقل الجماعي خاصة وأن مدينة الجزائر العاصمة أصبحت تستوعب ثلاثة ملايين ساكن وقرابة المليون زائر يوميا مما شكل ضغطا قويا على حركة المرور وأصبح البحث عن حلول بديلة لتخفيف هذا الضغط أكثر من ضروري، وانطلق.

    وللتأكيد على أهمية هذا المشروع بالنسبة للدولة الجزائرية قام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بزيارة تاريخية للمشروع في ديسمبر 2003 أظهرت مدى حرص الدولة الجزائرية على إنجاز ميترو الجزائر في أسرع وقت ممكن، وتكفل هذه المرة مع تجمع لشركات جزائرية ألمانية "غاما" لإنجاز شطر الحامة حي البدر في حين تضمن الشركتين الجزائريتين "سيسترا / آرتيبي" اليد العاملة المكلفة بالإنجاز، وقد ضم تجمع "غاما" أربع شركات تتمثل في شركة كوسيدار وشركة أنفرفار الجزائريتين وشركة ديفيداغ الألمانية وشركة تريفي الإيطالية، كما تم التوقيع في جانفي 2006 على عقد مع تجمع لشركات فرنسية إسبانية (سيمانس، فانسي، كاف)، لتثبيت الخطوط الحديدية وبعدها القاطرات وعربات نقل المسافرين خاصة بعد أن انتهت أشغال الهندسة المدنية وحفر النفق وتهيئته في أوت 2006.

لقد نجحنا

وفي غمرة الإحساس بنشوة النجاح نظم مسؤولو مجموعة "غاما" ندوة صحفية في جويلية 2007 أعلنوا فيها انتهاء أشغال المرحلة الأولى من مترو الجزائر وذلك في 30 جوان 2007، والممتد من حي البدر بباش جراح إلى حي البريد المركزي بوسط العاصمة والذي يضم أربع محطات، على أن تبدأ المرحلة الثانية من الأشغال والممتدة من حي البدر إلى الحراش على طول أربع كيلومتر بمجرد أن ترخص وزارة النقل لهذه المجموعة، ولم يكن مسؤولو المجموعة يقصدون بانتهاء الأشغال سوى الجانب المتعلق بالهندسة المدنية، أما بالنسبة لتثبيت السكك الحديدية فتتولاه شركة "تي سي أو" الفرنسية، لتأتي مرحلة تثبيت القاطرات على السكة الحديدية وتتكفل بإنجاز هذه المرحلة شركة أخرى تدعى "كاف"، أما "شركة "سيمانس" فهي التي ستتكفل باقتناء القاطرات وعربات نقل المسافرين."

   وأشار محيي الدين يسعد المدير بالنيابة لمجموعة "غاما" حينها أن الأشغال التي انطلقت في الأول من أكتوبر 2003 تطلبت توظيف 1700 عامل وإطار من بينهم نحو 30 إطار ألماني، والعمل أربعة وعشرين ساعة وطيلة أيام الأسبوع مما سمح بتقليص آجال الإنجاز، رغم صعوبات الإنجاز بسبب قدم البنايات والتضاريس الوعرة في العاصمة التي تصعب من عملية الحفر.

    من جهته كشف السيد "فوكمبرك" مسؤول بالشركة الألمانية "ديفيداغ" أن تكاليف مشروع ميترو الجزائر بلغت 150 مليون أورو إجمالا في حين بلغت تكاليف التجهيزات والآليات 18 مليون أورو.

 نسبة الأشغال وصلت 95 بالمئة

   الحديث عن قرب انتهاء أشغال ميترو الجزائر لم تكن مقنعة للكثير من الجزائريين الذين كانوا بين مشكك ومصدق لما يسمعونه من تصريحات المسؤولين لوسائل الإعلام، وقد سمحت الزيارة التي التي قادت مجلة العواصم الجديدة رفقة وفد برلماني وصحفي للاطلاع على الحقيقة.

    البداية كانت من محطة البريد المركزي بوسط العاصمة، دخلنا المحطة التي كانت مشكلة من طابقين وعلى عمق يتراوح ما بين 12 و15 متر تحت الأرض، في الواجهة الخارجية للميترو كان يبدو مكتملا، وعدة محلات تجارية كانت أبوابها مفتوحة للزبائن الذين لم يكونوا كثيرين، وعرض علينا عند مدخل المحطة مجسم خاص بها، وفي الداخل كان النفق الإسمنتي يبدو شبه مكتمل، والسكك الحديدية مثبتة بشكل جيد، والتهوية والإضاءة مقبولة إلى حد ما، ولم يكن ينقص حينها سوى القاطرات وتهيئة المكان من الناحية الجمالية.

   ما استغربناه أن الأشغال كانت شبه متوقفة فلم يكن هناك عمال ينشطون إلا إذا استثنينا بعض التقنيين في شركة سيمانس المكلفة باقتناء القاطرات من مدينة سرقسطة بإسبانيا، لكن المدير العام بالنيابة لمؤسسة ميترو الجزائر الطيب زنداوي أكد لنا أن الأشغال شارفت على الانتهاء وأن نسبة الإنجاز بلغت 95 بالمئة، وأنه مع نهاية عام 2008 ستكون جميع الأشغال قد انتهت في هذا الشطر من الميترو، على أن تبدأ المرحلة التجريبية لأنظمة الميترو في جانفي 2009 وتمتد على مدى ستة أشهر أي أن ميترو الجزائر سيكون مفتوحا أمام حركة المسافرين في جوان أو جويلية 2009.

 وحول سؤال طرحته مجلة العواصم الجديدة على السيد الطيب زنداوي بخصوص مدى تأهيل اليد العاملة الجزائرية لإنجاز مشروع بهذا الحجم هو الأول من نوعه في الجزائر أجاب أن أكثر من 90 بالمئة من اليد العاملة في هذا المشروع جزائرية والبقية إما ألمان أو فرنسيون أو إسبان، وأن الجزائريون سواء كانوا عمالا أو تقنيون أو مسيرون يثبتون كفاءة عالية عندما تعطى لهم الفرصة لذلك، لكنه أشار إلى أن الأجور التي يتقاضاها العمال الجزائريون أدنى من تلك التي يتقاضاها الأجانب.

 رئيس لجنة النقل بالمجلس الشعبي الوطني السيد محمد بن حمو لم يكن مطمئنا للهدوء الذي كان يسود المكان وأبدى ملاحظاته حول استعمال سكك حديدية بدل سكة مطاطية كما هو معمول به في اليابان لكن مدير مؤسسة ميترو الجزائر طمأنه بأن السكك الحديدية مستعملة حتى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي ميترو باريس وأن هذه مدارس لكل واحدة منها تصورها الخاص حيال هذا الجانب.

    لم يقتنع رئيس لجنة النقل كثيرا بما لاحظه وأبدى تخوفاته من أن يعرف مشروع ميترو الجزائر مزيدا من التأخر وأن لا يسلم في آجاله المحددة رغم أن الأشغال كانت تبدو شبه منتهية، واستغل السيد بن حمو وجود عدد من الصحافيين لمناشدة رئيس الجمهورية التدخل السريع واتخاذ قرار سياسي حاسم لإنهاء هذا المشروع بأسرع وقت ممكن ولو باستعمال نظام الدوام المتواصل 24 ساعة على 24 ساعة، معتبرا أن تجربة مطار الجزائر الدولي الذي انطلقت به الأشغال منذ الثمانينات ولم يتم استكمال الأشغال به إلا بعد غضبة الرئيس بوتفليقة الشهيرة عند زيارته للمشروع منذ نحو سنتين مما أدى إلى إنهاء المشروع في وقت قياسي جدا وافتتح في نفس العام.

 مترو الجزائر سينجز في فترة قياسية عالميا

   لكن مدير مشروع ميترو الجزائر في شركة سيمانس السيد فليب سوفارد أن المشروع سينجز في فترة قياسية حسبما هو متعارف به عالمية حيث لن تتجاوز مدة إنجاز هذا المشروع 35 شهرا فقط في حين وحسب تجربته في عدة بلدان فإن إنجاز الميترو يستغرق ما بين أربع إلى خمس سنوات، مشيرا إلى أن التكنولوجيا المستعملة في إنجاز الميترو جد متقدمة وهي من الجيل الأخير، وأضاف فليب سوفارد "نحن الآن في مرحلة متقدمة من الأشغال".

     عندما توجهنا إلى المحطة الثانية في حسين داي كان الميترو من الداخل أكثر إشراقا وغابت عنا صور الكتل الإسمنتية المضادة للزلازل، فالجدران كانت مزينة بالسيراميك والإضاءة جيدة أما التهوية فكانت أكثر من ممتازة، وقال لنا أحد المشرفين عن هذا المشروع بأن هذه المحطة نموذجية وسيتم تهيئة بقية المحطات بهذا الشكل المتميز.          

   وبالنسبة للقاطرات وعربات نقل المسافرين قال المدير العام بالنيابة لمؤسسة ميترو الجزائر أن هناك 50 عربة يتم تصنيعها حاليا في مدينة سرقسطة الإسبانية من بينها 14 قاطرة، 12 بالمئة ستشتغل بشكل يومي، في حين تترك قاطرتين كاحتياط لأي طارئ، وتجر كل قاطرة 6 عربات، وبإمكانها حمل 1200 مسافر في كل رحلة، أو ما يعادل 38 إلى 41 ألف مسافر يوميا، ليصل هذا الرقم إلى 110 ملايين مسافر سنويا، مما يسخفف الضغط بشكل أساسي على حركة المرور في المحور الرابط بين شرق ووسط العاصمة، ويقدر الوقت المستغرق بين كل محطة وأخرى 200 ثانية فقط.

    معاينتنا لمشروع ميترو الجزائر عن قرب جعلتنا نطمئن إلى أن الشطر الأول منه شارف على الانتهاء، مع التأكيد على ضرورة متابعته لإنجازه وتسليمه في آجاله المحددة، غير أن انتهاء الشطر الأول من المرحلة الأولى للمشروع لا يعني انتهاء كامل المشروع، فمازال لم ينجز الشطر الرابط بين ساحة الأمير عبد القادر وساحة الشهداء، والشطر الثالث الرابط بين ساحة الشهداء ووادي قريش، والشطر الرابع الرابط بين حي البدر والحراش وبين حي البدر وعين النعجة، هذا بالنسبة للمرحلة الأولى أما بالنسبة للمرحلة الثانية فتمتد من وادي قريش إلى عين الله غربا، أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتمتد من حي البدر إلى جسر قسنطينة شرقا، واستكمال جميع هذه الأجزاء سيتطلب عمل كبير على مدار سنوات قبل أن يرى كامل هذا المشروع النور.