بورتري: مصطفى دالع
في بلدة ريفية نائية تبعد عن العاصمة الجزائرية بنحو 120 كيلومترا جنوبا، يقبع أحمد نبهي (28 سنة) أمام جهاز إعلامه الآلي لإنجاز مواقع إلكترونية وبرمجيات لمعاهد جامعية وشركات في مدينة مونريال الكندية ليرسلها إليهم عبر بريده الالكتروني، صانعا بذلك مفارقة عجيبة عندما تمكن من تصدير تكنولوجيا ـ اشتهر بها الغرب ـ عبر حاسوب في بلدة تعاني من العزلة الشديدة ولا يوجد بها أي نادي للأنترنيت إلى مؤسسات تربوية وإعلامية واقتصادية في مدينة عريقة تشهد ثورة في عالم التكنولوجيات المتقدمة للإعلام والاتصال.
قصة أحمد نبهي مع البرمجيات وتصميم المواقع غريبة بعض الشيء لأنها كانت محض مصادفة، إذ أنه لم يدرس في معهد الإعلام الآلي، بل تكوّن في المدرسة العليا للتجارة بالعاصمة، ومن حظه أن طلبة معهد الإعلام الآلي كانوا يقيمون في نفس الحي الجامعي، وتوطدت العلاقة بين أحمد وأحد طلبة الماجستير في الإعلام الآلي والذي كان نابغة في هذا التخصص حيث تمكن من كتابة لغة البازيك بالعربية وهو الاختراع الذي لم يسبقه إليه غيره، واستفاد أحمد من خبرة صديقه في استعمال الأنترنيت والتعامل مع البرمجيات وتصميم المواقع وأصبح شغوفا بمتابعة كل ما هو جديد في عالم الواب، وازدادت مكتسباته العلمية ترسيخا من خلال مقياس للإعلام الآلي الذي أصبح يُدرّس في المدرسة العليا للتجارة بالجزائر، حيث تعلم أحمد المبادئ الأساسية للبرمجة الالكترونية (باسكال)، كما أن أحد أقاربه كان لديه اهتمام بالبرمجة الالكترونية (جافا) التي تستخدم في تسيير الآلة (لغة الآلة) وهي أشهر لغة برمجة إلكترونية، وساعده قريبه في تصميم مواقع تجريبية.
ولعبت الصدف دورها مرة ثانية في إتاحة فرصة ثمينة لهذه الموهبة لكي تتفتق، حيث انتدب قريبه للعمل كأستاذ جامعي في معهد الميكانيك بمدينة مونريال الكندية، وحدث أن رغب هذا المعهد في 2003 في تصميم قاعدة بيانات للطلبة الذين يدرسون بالمعهد أو حتى المتخرجين منهم، بحيث تتضمن قاعدة البيانات هذه كافة المعلومات عن الطالب بما فيها نتائجه السنوية خلال جميع الفصول، واتصل هذا الدكتور الجامعي بأحمد وطرح عليه فكرة إنشاء قاعدة بيانات لهذا المعهد، فأعجب أحمد بالفكرة خاصة وأنها ستثمن موهبته وتصقلها أكثر، وعندما أنهى عملية تصميم قاعدة البيانات واجهته مشكلة تقنية إذ كيف له أن يرسل التصميم ذو السعة العالية والتي تصل إلى 10 ميغا بايت عبر البريد الالكتروني المحدود السعة؟ فلجأ إلى تجزئة التصميم إلى عدة أجزاء وإرساله مفككا ليقوم قريبه بإعادة تجميعه في كندا، ولكن هذه المشكلة يقول أحمد قد حلت مع البريد الالكتروني gmail الذي بإمكانه تحميل 500 ميغا بايت وضغطها ثم إرسالها وعندما تصل إلى المرسل إليه تعود إلى حجمها الطبيعي.
بعد نجاح أحمد نبهي في تصميم قاعدة بيانات معهد الميكانيك بمونريال، تكفل قريبه في كندا بإرسال طلبيات لشركات كندية إليه عبر البريد الالكتروني وبنفس الطريقة أنجز موقع لشركة متخصصة في توزيع الأدوية في أمريكا الشمالية، وموقع آخر لمجلة كندية مختصة في شؤون المرأة مستخدما تكنولوجيا متطورة متمثلة في برمجيات "ماكرو ميديا دريم وافر"، ولجأت هذه الشركات الكندية إلى هذا الشاب الجزائري "المجهول" لكونه لا يكلفهم سوى مبالغ مالية زهيدة تكاد تكون رمزية مقارنة بما تطلبه الشركات الكندية المتخصصة في تصميم المواقع من مبالغ كبيرة.
واستغلت شركة خاصة متواجدة بالعاصمة الجزائرية موهبته في تصميم مواقع إلكترونية مقابل أجر زهيد كان يتقاضاه، كما تعامل نبهي مع وكالة إشهارية في مدينة البويرة غير البعيدة عن مقر إقامته في بلدة سوق الخميس خاصة وأنه إلى جانب كونه مختص في البرمجات وتصميم المواقع يتقن جيدا الأنفوغرافيا، وهو ما جعله يتخصص مؤخرا أكثر في إعداد البرمجيات التي تستعمل في التسيير والإدارة مثل برمجية إعداد شهادات الميلاد والتي بدأت تنتشر في الجزائر وحلت مشكلة الطوابير أمام مقرات البلديات، كما قام بتسويق بعض البرمجيات للخواص كبرمجية كشف الرواتب والأجور، وبرامج الفيديو التي تسمح بإضافة المؤثرات الخاصة والعناوين على الفيديو والصور.
ويعكف حاليا الخبير في الأنفوغرافيا والبرمجيات على وضع اللمسات الأخيرة لإطلاق مشروع هو الأهم بالنسبة له في المرحلة الحالية والمتمثل في شبكة برمجيات جديدة على الأنترنيت تحتوي على برمجيات مجانية وأخرى للتسويق تحتوي على أفكار جديدة مثل "الأوتو سايف" الذي يقوم بالتسجيل التلقائي للعمل، وإمكانية تغيير واجهة البرنامج من داخله، والعمل على الشبكة بشكل محمي من الاختراق، وهذه التقنيات متوفرة في جميع البرمجيات التي يعكف على إعدادها، والمتوزعة على عدة أقسام تتمثل في برمجيات التسيير والإدارة، برمجيات الإعلام المتعدد، برمجيات تعليمية، برمجيات الألعاب التعليمية.
أما مشروعه الأكثر إثارة فيتمثل في صناعة فيلم ثلاثي الأبعاد، ورغم تأكيد أحمد نبهي أن مشروع من هذا النوع لا يحتاج إلى إمكانيات ضخمة كما يتصور البعض، لكن أكبر عائق يواجهه هو نقص المختصين الجزائريين في الأنفوغرافيا ثلاثية الأبعاد التي تستخدم برمجية (مايا)، كما أن المختصين المتوفرين لا يوجد تنسيق بينهم يسمح بإنجاز هذا المشروع الذي انطلق أحمد في إعداد خطواته الأولى منفردا، رغم تأكيده أنه يتطلب فريق عمل متكامل مثلما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وفرنسا بالإضافة إلى تجارب في سوريا والإمارات العربية المتحدة وتونس.
والتحدي الكبير الذي يواجه أحمد نبهي عدم امتلاكه لإمكانيات مالية تسمح له بتأسيس شركته الخاصة وتمويل مشاريعه في ميدان الأنفوغرافيا والبرمجيات وتصميم المواقع التي أصبح يشتد عليها الطلب في الجزائر وفي خارجها ومع ذلك فالطلبات التي تصله قليلة وقليلة جدا لأنه بلا عنوان إلا إذا استثنينا بريده الالكترونيahmad_3009@yahoo.fr وإمكانياته لا تتعدى جهاز كمبيوتر في بيت والده، ومشكلته أنه لا يعرف كيف يسوق ما ينتجه من برمجيات إلا في إطار محدود وسط محيطه.
ومع أن إقامته في بلدة هجرها الكثير من شبابها إلى المدن بسبب عزلتها وارتفاع معدلات البطالة بها إلا أن أحمد أصبح أكثر تمسكا ببلدته سوق الخميس الجميلة بطبيعتها الخضراء رغم أنه فكر في السابق مرارا في الهجرة إلى أوروبا أو كندا للعمل، حيث استفاد مؤخرا من دعم للدولة الجزائرية لبناء سكن ريفي، وقدم ملفا إلى وكالة تشغيل الشباب لتمويل مشروع إنشاء وكالة إشهارية قد تفتح له الأبواب نحو تأسيس شركة للبرمجيات والأنفوغرفيا وتصميم المواقع، فالعزلة ليست موجودة في الجغرافيا ولكنها موجودة في العقول، فالأنترنيت اختصر المسافات بين الأرياف والمدن، وبين الدول والقارات، وبلدة سوق الخميس الجزائرية بالنسبة لأحمد لا تبعد عن مدينة مونريال الكندية سوى بضعة أجزاء من الثانية.
م. د
كتبها مصطفى دالع في 02:36 مساءً ::
الاسم: مصطفى دالع
