قصة الاستثمارات العربية في الجزائر
كتبهامصطفى دالع ، في 8 يونيو 2008 الساعة: 13:39 م
من التردد إلى التدفق الواسع
مصطفى دالع
شكل عام 2007 تدفقا غير مسبوق للاستثمارات العربية على الجزائر، قدرته الوكالة الوطنية لترقية وتطوير الاستثمار بنحو 19 مليار دولار كوعود استثمارية مؤكدة، أو ما يعادل 56 بالمئة من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما جعل نسبة الاستثمارات في قطاع المحروقات تتراجع لحساب قطاعات أخرى بعد أن تركزت هذه الاستثمارات خلال سنوات التسعينات على القطاع النفطي الذي هيمنت عليه الشركات الأنجلوساكسونية سواء كانت أمريكية أو بريطانية.
ويرجع خبراء دوليون ومستشارون استثماريون أسباب هذا التدفق الاستثماري العربي على الجزائر إلى الوفرة المالية لرأس المال العربي ـ المتخم بارتفاع أسعار البترول ـ عن أسواق جديدة تتميز بقوة الطلب، وكانت وجهتهم الجزائر والسودان وهناك اهتمام بليبيا، وتعتبر هذه الأسواق الثلاث عذراء وتعاني من نقص شديد في الكثير من السلع والخدمات وعانت لفترة من أزمات داخلية مثل الجزائر والسودان ومن حصار خارجي خانق كما حصل مع ليبيا، فضلا على أن الجزائر وليبيا كانتا تتبنيان إلى وقت غير بعيد نظاما اشتراكيا ممركزا لا يشجع على الاستثمار الخاص، والانفتاح الحاصل على الاستثمارات الأجنبية على الاستثمارات الأجنبية جعل رجال الأعمال العرب يفضلون هذه الأسواق لربحيتها العالية خاصة بعد أن تم التضييق عليهم في أوروبا وأمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فضلا عن وصول أسواق العديد من الدول العربية مثل مصر والأردن والدول الخليجية إلى مرحلة التشبع في العديد من القطاعات كالاتصالات والمنشآت العقارية والسياحية.
المغامرة العربية وتحدي الانطلاق
قبل 1999 كان رجال الأعمال العرب ينظرون إلى الجزائر على أنها بلد يعاني من تردي أمني شديد، وأن أوضاعه السياسية غير مستقرة بل فيه من كان لا يؤمن بانتماء الجزائر حقيقة إلى الأمة العربية نظرا لاعتماد الفرنسية كلغة للتعاملات الإدارية، وعلى الجهة المقابلة كان بعض المسؤولين الجزائريين ينظرون إلى الاستثمار العربي بأنه غير مفيد للبلاد وأن يفتقد للتكنولوجية العالية التي تحتاج الجزائر لنقلها إليها، وأن أصحاب العمائم يعتقدون بأنه بأموالهم الكثيرة يمكنهم حتى شراء كرامة الجزائري، وهذه التصورات المسبقة جعلت الاستثمار العربي يخطو خطوات متثاقلة في الجزائر، والقلة القليلة من العرب الذي أرادوا الاستثمار في الجزائر ووجهوا باللامبالاة وأهملت ملفاتهم فلم يجدوا من خيار سوى البحث عن أسواق بديلة فتلقفتهم تونس والمغرب ووفرت لهم تسهيلات عديدة مما جعل أحد الشخصيات الجزائرية المتابعة لملف الاستثمارات العربية يعتبر الجزائر بلدا مصدرا للمستثمرين العرب.
البداية الحقيقية للاستثمارات العربية في الجزائر كانت مع وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في 1999، وتبنيه سياسة منفتحة على الاستثمارات العربية خاصة وأن له علاقات متينة مع أمراء الخليج بحكم إقامته لفترة طويلة في الإمارات العربية المتحدة، ورغم دعوات الجزائر العديدة للمستثمرين الأوروبيين والفرنسيين على الأخص للاستثمار في الجزائر إلا أن هذه النداءات لم تجد صدا قويا لدى هؤلاء، فالتفتت الجزائر شرقا ومدت يدها لإخوانها العرب، وكانت الاستجابة متواضعة في البداية متوجسة خيفة من دخول السوق الجزائري الذي تحتكره السلع الأوروبية والفرنسية، ونجحت شركة أوراسكوم المصرية في الفوز بأول رخصة للهاتف النقال في جانفي 2001 تعرض للمزايدة أمام كبريات الشركات الأوروبية المتخصصة التي لم تقدم عروضا تليق بحجم السوق الجزائرية وبعضها انسحب قبل بداية فتح الأظرفة، لكن شركة أوراسكوم واجهت مشاكل وحملات متتالية بعد فوزها برخصة الهاتف النقال بدأ بمحاولة ربطها برجل الأعمال الإماراتي الشرفاء والتشكيك في مصداقية المزايدة، والترويج بأن أوراسكوم تريد الاستثمار في الجزائر بأموال الجزائريين بعد أن طلبت قرضا تمويليا من بنوك جزائرية، ثم جاء مشكل المقر الذي عانت منه في البداية ووجدت صعوبة في تأجير مكاتب، قبل أن تتجاوز هذا العائق بعد دخول رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب في رأسمال أوراسكوم الجزائر ومساهمته بمقر لائق بالشركة، وبعد انتهاء مرحلة التأسيس والاستغلال بدأت الشركة في جني الأرباح التي قدرت بمئات الملايين من الدولارات وفاق عدد مشتركي علامتها “جيزي” 13 مليون مشترك في 2007، وهو ما شجع الشركة الكويتية “الوطنية تليكوم” من شراء الرخصة الثالثة للهاتف النقال، وأدى التنافس بين المتعاملين الثلاث جازي ونجمة وموبيليس هذه الأخيرة التي تملكها اتصالات الجزائر إلى تخفيض أسعار شرائح الهاتف النقال بنسب معتبرة بعدما كان الحصول على جوال قبل عام 2001 حلما صعب المنال كما تم تخفيض أسعار المكالمات وتقديم تقنيات تكنولوجية متطورة لم تنتشر حتى في بعض الدول الأوروبية، وارتفع عدد المشتركين من 54 ألف في عام 2000 ليصل 27 مليون مشترك في 2007، ووصلت نسبة تشبع السوق الجزائرية 85 بالمئة مما أهلها لتحتل مراتب ريادية في ميدان الاتصالات على مستوى العالم العربي وإفريقيا، وبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الاتصالات أربع ملايير دولار كلها استثمارات عربية، ليحتل القطاع المرتبة الثانية بعد قطاع المحروقات من حيث جذب العملة الصعبة، كما دخلت مجموعة أسترا سوختيان الأردنية السعودية ميدان الاستثمار في قطاع الاتصالات من خلال مجموعة من الشركات المتخصصة في تثبيت الهوائيات الخاصة بشركات الهاتف النقال جازي ونجمة وموبليس وقامت بجهد معتبر في تكوين وتأهيل المهندسين والفنيين الجزائريين في ميادين تقنية ودقيقة.
كسر الحاجز النفسي
نجاح شركة أوراسكوم المصرية في قطاع الاتصالات والأرباح الكبيرة التي حققتها شركة الدار العربية ـ سيدار السعودية في قطاع العقار، ووصول ربحية السوق الجزائرية إلى حدود 200 بالمئة في الوقت الذي تتراوح ربحية الأسواق العالمية ما بين 10 و18 بالمئة، جعل الجزائر جنة الاستثمارات العربية لولا البيروقراطية على حد تعبير أحد المستثمرين العرب.
وساعدت الملتقيات التي عقدت بالجزائر وجمعت رجال أعمال عرب ومستثمرين جزائريين بالتعريف بميزات الاستثمار في الجزائر، وتوضيح أهم التعديلات التي أجريت على قانون الاستثمار والامتيازات التي تمنح للمستثمرين، ومما شجع المستثمرين أكثر على التمسك بالاستثمار في الجزائر رغم كل الصعوبات الدعم السياسي القوي لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة ورئيس حكومته عبد العزيز بلخادم، وسهولة تحويل الأرباح فضلا عن قوة الطلب وانخفاض أسعار الغاز والكهرباء والماء بشكل كبير مقارنة بدول كثيرة في العالم.
وعلى الشق الإعلامي الذي مثل نقطة ضعف جزائرية حاولت السلطات الجزائرية تدارك هذا النقص من خلال تحريك الآلة الدبلوماسية الجزائرية في الدول العربية تعريف المستثمرين العرب بفرص الاستثمار بالجزائر وبرز في هذا الشأن اسم السفير الجزائري بالإمارات العربية المتحدة عبد الحميد شبيرة الذي كان له الفضل في قدوم مستثمرين إماراتيين وخليجيين إلى الجزائر، كما تمت الاستعانة بخبرة اللبنانيين في الميدان الإعلامي وتنظيم الملتقيات من خلال التنسيق مع مجلة الاقتصاد والأعمال التي قررت تحويل ملتقى الجزائر الاقتصادي إلى ملتقا سنويا بعد نجاح طبعته الأخيرة في جانفي 2008.
تدفق الاستثمارات العربية على الجزائر
تخطت الجزائر مرحلة الوعود الاستثمارية ودخلت مرحلة التجسيد حيث حصلت شركة محاصيل الإماراتية إحدى فروع شركة الإمارات الدولية للاستثمار على ترخيص لإنشاء أكبر مزرعة في إفريقيا لإنتاج الحليب في تيارت والتي ستبدأ مرحلة الاستغلال في سبتمبر 2008، وتشييد أكبر حديقة في العالم غربي الجزائر العاصمة يصل حجم استثماراتها أربع ملايير دولار، بالإضافة إلى مشروع تشييد مصنع لإنتاج الكابلات النحاسية في البويرة بتكلفة 80 مليون دولار علاوة على مشاريع أخرى في وهران وعنابة تصل تكلفتها مجتمعة 7 مليار دولار.
أما شركة إعمار فوقعت على مذكرة تفاهم مع الحكومة الجزائرية لإنجاز مشاريع عقارية ضخمة في كل من زرالدا وسطاوالي وشاطئ العقيد عباس وواجهة الجزائر العاصمة تكون للدولة الجزائرية حصة 15 بالمئة من هذه المشاريع مقابل مساهمتها بالقطع الأرضية التي ستنجز عليها المشاريع وتذليل مختلف العراقيل البيروقراطية التي قد تعترض الشركة خلال عملية الإنجاز، وتتحدث إعمار عن مشاريع تصل إلى 20 مليار دولار مرشحة لترتفع إلى 30 مليار دولار في مرحلة قادمة عندما توسع مشاريعها لتشمل كل من عنابة ووهران، وبالنسبة للصناعة افتتحت مجموعة أسترا سوختيان السعودية الأردنية مصنع الكندي لإنتاج الأدوية والذي سيغطي فاتورة استيراد 13 مليون دولار سنويا من الأدوية الجنيسة كما سيقوم بتصدير جزء من الإنتاج إلى كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أما المشروع الأهم بالنسبة للقطاع الصناعي فيتمثل في إنجاز مصنع للألمنيوم في بني صاف بقيمة 2.559 مليار دولار بالشراكة بين مجموعتي “دوبال” و”مبادلة” الإماراتيتين مما سيسمح بتغطية احتياجات السوق الجزائرية من مادة الألمنيوم وتصدير الفائض إلى الخارج، أما مجموعة عز للحديد المصرية فتنوي إنجاز مصنع لإنتاج حديد الخرسانة بقيمة 1.25 مليار دولار وذلك بمنطقة بلارة بجيجل وقد يصل إنتاج المصنع في مرحلته النهائية 3 مليون طن سنويا مما قد يؤدي إلى استقرار أسعار حديد الخرسانة في الجزائر بسبب الحركية العمرانية غير المسبوقة في قطاع السكن والعمران وقطاع الأشغال العمومية، وفي هذين القطاعين الذين يشهدان نسبة نمو هي الأعلى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعدل 16 بالمئة نجحت مجموعة أوراسكوم في إنشاء مصنع للإسمنت في المسيلة قبل أن تقرر بيعه مؤخرا لشركة فرنسية، وأنجزت بسرعة مصنع آخر في ولاية معسكر للإسمنت الأبيض، كما تنوي مجموعة “أسيك” هي الأخرى إنجاز مصنع للإسمنت بولاية الجلفة بقيمة 550 مليون دولار، كما أعلنت شركة “النهضة للعقارات” الإماراتية استكمالها الإجراءات لإنجاز مشروعين متعلقين بصناعة الجبس والأصباغ في ولاية بسكرة بالجنوب الشرقي للجزائر بقيمة 10 ملايين دولار، وفي القطاع البتروكيماوي هناك مشروع لمجمع “القرين” الكويتي لإنجاز مصنع للميثانول بقيمة مليار دولار بالتعاون مع مجموعات اقتصادية أخرى، ومشروع آخر لمجموعة أوراسكوم لإنتاج الأسمدة بالشراكة مع سوناطراك، أما مجمع “سهيل بهوان” العماني فسينجز مشروع لإنتاج اليوريا والأمونياك.
القطاع السياحي: مشاريع ضخمة ولكنها مجمدة
استقطب القطاع السياحي مشاريع ضخمة على غرار مشروع المرسى لمجموعة أسترا سوختيان بشرق العاصمة والذي تبلغ قيمته خمس مليارات من الدولارات، ومشروع الشركة الكويتية المشاريع العقارية الكبرى “جراند” لإنجاز القرية السياحية “الجزيرة” بعين طاية والذي يقدر حجم الاستثمارات به 1.7 مليار دولار، ومشروع شركة “النهضة للعقارات” الإماراتية لإنجاز مدينة سياحية بوهران، بالإضافة إلى مشاريع هامة أخرى لشركة سيدار والأفق المصرية والشركة الكويتية الخليجية المغاربية القابضة ومشروع شركة “إمرال” الإماراتية بموريتي فضلا عن مشروع “دنيا بارك”، ومشاريع مجموعة بن لادن السعودية لإنجاز مدن وقرى سياحية.
ورغم الزخم الإعلامي الذي رافق هذه المشاريع إلا أن معظمها لم يتحصل لحد الآن على الرخص الضرورية لاستكمال المشروع رغم مرور شهور وشهور على تقديم الطلبات والتصاميم، وأكدت المكلفة بالاتصال في الوكالة الوطنية لترقية وتطوير الاستثمار أن الاستثمارات العربية تتركز أساسا في الصناعة والزراعة ولكنها ضعيفة في الميدان السياحي، مما يؤكد وجود خلل في هذا القطاع الذي لم يتجاوز مرحلة البهرجة الإعلامية في حين أن النتائج على الأرض مازالت متواضعة وغير مشجعة، وهو ما دفع بعض الشركات إلى التفكير جديا في مغادرة الجزائر والتوجه إلى أسواق بديلة تعد ليبيا إحداها حسبما أسره لنا عدد من مدراء الشركات الخليجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 23rd, 2009 at 23 يونيو 2009 12:00 م
ما هي أرقام الإتصال لمصنع الإسمنت الأبيض بالمسيلة والتابع لأوراسكوم