بومدين عرض على زبيري اقتسام كعكة السلطة - بومدين أقال زبيري من قيادة الأركان بمجرد خروج فيلق المدرعات من العاصمة
ضابط في المخابرات أخبر زبيري بأن بومدين أمر باعتقاله
- هناك مسؤولون اقترحوا على العقيد زبيري اغتيال بومدين عوض اتخاذ موقف عسكري ضده، فقال لهم زبيري: ”والله لا ولن أسمح لنفسي بأن أعطي تعليمات للاغتيالات السياسية، سواء أكان بومدين أو غيره حتى لا تصبح الاغتيالات السياسية أسلوبا في تغيير الحكم”
- اتفق سعيد عبيد ويحياوي وعباس وبن سالم بتأييد من الشاذلي وعبد الغني على: … إذا لم يحترم الرئيس بومدين قراره بعقد اجتماع مجلس الثورة، يقدم رؤساء النواحي العسكرية استقالتهم من الجيش ويتخذوا موقفا عسكريا موحدا داخل النواحي العسكرية إلى حين انعقاد الاجتماع
- فكان رد منجلي الذي لم أتوقعه نهائيا: ”سي مهدي.. ما رأيك لو أتصل ببومدين وأقول له إن سي الطاهر قلق وسأذهب لأسترضيه”
- لكن رد بومدين كان واضحا وقال لزبيري: ”الجماعة الذين يتشدقون بالاجتماع ليس لهم أي وزن اجتماعي في البلاد ومعظمهم يأتون الاجتماع وهم سكارى”
بعد أن تناولنا في الحلقة السابقة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الخلاف بين العقيد شعباني والرئيس بن بلة وكذلك العقيد بومدين وكيف تم إلقاء القبض على العقيد شعباني ومحاكمته ثم إعدامه، بالإضافة إلى مشاركة الجزائر في الحروب العربية الإسرائيلية، نتناول اليوم أسباب اندلاع الأزمة
بين قائد الأركان العقيد الطاهر زبيري ووزير الدفاع ورئيس مجلس الثورة العقيد هواري بومدين.
كيف اشتعلت أزمة ديسمبر 1967 بين العقيد هواري بومدين والعقيد الطاهر زبيري؟
- لن تجد من يحكي لك عن أزمة 14 ديسمبر 1967 أفضل مني ولا فخر ولا رياء… نقطة البداية كانت عندما نشب خلاف بين علي منجلي، نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، وقايد أحمد، وزير المالية، وعبد القادر شابو الأمين العام لوزارة الدفاع وكنت حينها في سكرتارية مجلس الثورة مع شرقي الوردي وكنا نعد كل محاضر الاجتماعات، حيث تحدث منجلي مع قايد أحمد وقال له: ”أرجو أن تعطينا جميع المعطيات عن ميزانية وزارة الدفاع”، وقبل أن يجيبه قايد أحمد تكلم شابو وقال له: ”لا تتدخل في هذا الأمر لأنه خاص بوزارة الدفاع”. وبعد جدل طلب منجلي رسميا إيضاحات، فقال له قايد أحمد: ”سآتي غدا بالخبراء الماليين”. وفي الغد جاء الخبراء الماليون، وأراد قايد أحمد تقديم الإيضاحات لكن منجلي قاطعه، وقال له: ”لستَ كفؤا لإعطاء الإيضاحات” وتلفظ بألفاظ بذيئة، فتدخل شابو لصالح قايد أحمد، لكن منجلي أصر على موقفه، فتدخل العقيد بومدين رئيس مجلس الثورة وقال مخاطبا منجلي: ”أنت دائما تأتي بالمشاكل”، فرد عليه منجلي: ”عيّناك في هذا المكان ليس لتكون مع أي طرف كان”. فغضب بومدين وقال له: ”منذ عرفناك وأنت دائما مهرج بالمشاكل نتاعك”، ثم طوى ملفاته وخرج.
المشكل لحد الآن بين العقيد بومدين والرائد علي منجلي، فما علاقة العقيد زبيري بهذه القضية التي كانت سببا في القطيعة بينه وبين رئيس مجلس الثورة؟
- لأنه في نفس الأمسية اتجه بومدين إلى مكتب زبيري بوزارة الدفاع في المرادية (قصر الرئاسة حاليا) وقال له: ”هذا الشخص الذي اقترحته علي نتاع مشاكل وأراد أن يحدث لنا انفجارا”، واقترح عليه أمرا خطيرا يتمثل في اعتقال علي منجلي حيث قال له ”فكرتي أن يلقى عليه القبض”، ولكن زبيري رد عليه: ”هذا عضو معنا في مجلس الثورة ونحن أزحنا بن بلة من الحكم الفردي وجئنا لجمع الشمل، وعلي منجلي تحدث في إطار قانوني، وفكرة إلقاء القبض عليه لست موافقا عليها”، فقال بومدين: ”أنا قلت هذا الكلام وأنت فكر فيه”.
هل كان رفضُ زبيري فكرة اعتقال منجلي سببا في تجميد اجتماعات مجلس الثورة؟
- كل اجتماعات مجلس الثورة التي عقدت منذ تنحية بن بلة في 19 جوان 1965 كانت تعد على الأصابع، لأن المجلس كان مقسما إلى ثلاث فئات، جماعة وجدة التي تضم أقرب المقربين إلى بومدين وهم عبد العزيز بوتفليقة، شريف بلقاسم، أحمد مدغري وقايد أحمد وهو مغربي أخذ الجنسية الجزائرية في 26 جوان 1965 ومن أراد أن يتأكد فليذهب إلى الجريدة الرسمية، بالإضافة إلى الطيبي العربي سفير في كوبا ثم عيّنه بن بلة مديرا عاما للأمن الوطني. أما المجموعة الثانية فتضم كبار الضباط وهم: العقيد الطاهر زبيري رئيس الأركان، السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى (البليدة)، محمد صالح يحياوي قائد الناحية العسكرية الثالثة (بشار)، الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية الثانية (وهران)، العقيد عباس قائد أكاديمية شرشال، عبد الله بلهوشات قائد الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة) وأحمد عبد الغني قائد الناحية العسكرية الرابعة (ورفلة). أما الفئة الثالثة فتتمثل في قادة الولايات التاريخية، أمثال محند أولحاج قائد الولاية الثالثة (القبائل) يوسف الخطيب قائد الولاية الرابعة (وسط الجزائر) وصالح بوبنيدر قائد الولاية الثانية (الشمال القسنطيني) وعلي منجلي نائب رئيس الأركان خلال الثورة ونائب رئيس المجلس الشعبي الوطني.
كيف تعامل بومدين حيال رفض رئيس الأركان إبعاد علي منجلي من مجلس الثورة؟
- أصبحت جماعة وجدة تجتمع مع بومدين في فيلا 19 جوان الملاصقة لمقر الرئاسة في المرادية ويسهرون معه إلى غاية الرابعة صباحا للتخطيط بشأن التعامل مع الفئتين الأخريين في مجلس الثورة، مع العلم أن 19 جوان 1965 (الانقلاب على الرئيس بن بلة) حضّر له شهرين قبل تنفيذه في نفس الفيلا، وكان بومدين يستمع للجميع لكنه يتخذ قراراته لوحده.
ماذا عن ردة فعل كبار الضباط إزاء تجميد اجتماعات مجلس الثورة؟
- بعد شهر جاءني الرائد عبد الرحمان بن سالم (نائب قائد الأركان ورئيس القطاع العسكري للعاصمة) إلى وزارة الدفاع وقال ”نريد مساعدة رئيس الأركان العقيد الطاهر زبيري بخصوص اجتماع مجلس الثورة الذي يرفضه بومدين إثر الحادثة التي وقعت بين منجلي وقايد أحمد”، وأضاف ”أرجوك تكلم مع الطاهر زبيري لكي يستقبل علي منجلي في مكتبه قبل طرح موضوع الاجتماع على بومدين”، فوافقت وكلمت زبيري فقال لي: ”بن سالم أقرب إلى بومدين أكثر مني لماذا لا يكلمه؟”، فقلت له: ”هذا نظرا لوزنك (في السلطة).. كلامك سيكون أفضل”.
على ماذا اتفق علي منجلي والطاهر زبيري؟
- التقى الرجلان في منزل سي الطاهر على ما أظن بعيدا عن الأعين، فطال الحديث عن مشاكل الدولة وعدم انعقاد مجلس الثورة وخاصة عدم تطبيق ما ورد في بيان 19 جوان 1965، وكيف صار بومدين يرتكب نفس أخطاء بن بلة، ووافق زبيري على طلب علي منجلي بإبلاغ العقيد هواري بومدين بضرورة عقد اجتماع مجلس الثورة في أقرب وقت، لكن رد بومدين كان واضحا وقال لزبيري: ”الجماعة الذين يتشدقون بالاجتماع ليس لهم أي وزن اجتماعي في البلاد ومعظمهم يأتون الاجتماع وهم سكارى”. ورغم إلحاح زبيري عليه إلا أن بومدين تعنت ورفض الدعوة إلى اجتماع مجلس الثورة بأي حال من الأحوال.
لماذا وصل الخلاف السياسي بين رئيس مجلس الثورة ورئيس هيئة الأركان إلى التلويح باستعمال القوة؟
- قبل 10 أيام من بداية حركة 14 ديسمبر 1967، جاءنا ضابط في الأمن العسكري وأخبرنا أن العقيد بومدين أعطى الأمر بإلقاء القبض على العقيد زبيري شخصيا بعد تعنته وإصراره على عقد مجلس الثورة، فاتخذ زبيري قرارا بأن يحمي نفسه فذهب إلى وحدة الدبابات في الليدو ببرج الكيفان (نحو 20 كلم شرق قصر الرئاسة) واستدعى قادة النواحي العسكرية وقادة الولايات التاريخية وأشعرهم بالقرار الجهنمي الذي اتخذه بومدين ضده، فزار معظم أعضاء مجلس الثورة الطاهر زبيري، المدنيون منهم والعسكريون، للاستفسار عن الموضوع، وحينما اطلع الرئيس بومدين على غدو ورواح هذه المجموعة، طلب من السعيد عبيد والعقيد عباس أن يطلبا من زبيري العودة إلى بيته وسيتنقل إليه شخصيا للتباحث معه.
كيف وثق زبيري في كلمة بومدين رغم أن حياته كانت على المحك؟
- بل عاد إلى منزله احتراما للعقيد عباس والرائد السعيد عبيد، كما أنهما أعطياه ضمانات وأكدا له أن قرار بومدين بالقبض عليه مجرد دعايات، وفي المساء جاء بومدين لزيارته في بيته وعندما أراد حرسه الشخصي الدخول معه منعهم زبيري وقال لهم: إنه في حمايتي. أما بومدين فلما جلس قال لزبيري: ”أضحكت علينا العالم”. وأضاف: ”لدينا كعكة (يقصد السلطة) تعال لنقتسمها مع بعض، وإذا لديك أسماء (للتوزير) هاتهم لنعينهم”. فرد عليه زبيري: ”لست هنا لتعيين أي كان، ولا أحتاج للمسؤولية”. وأضاف: ”لقد ساهمنا جميعا في إزاحة بن بلة عن الحكم لاستيلائه على السلطة بجميع أشكالها وتعاهدنا عهد الأحرار أن نسلم الحكم إلى المدنيين وأن نضع الأسس التشريعية في أقرب الآجال لتسيير أمور الوطن”، فقال له بومدين: ”أظن أن أحسن حل لهذا الوضع السائد فيما بيننا هو أن أعيّنك وزيرا للدفاع”، فقال زبيري: ”سبحان الله لا أريد أي مسؤولية، أريد فقط فهم عدم تطبيق ما ورد في بيان 19 جوان”، وفي الأخير قال له بومدين: ”سنلتقي غدا على مائدة العشاء في بيتي وسنكمل الحديث”.
هل فعلا كان هناك متعاطفون مع العقيد زبيري، فكروا في قتل بومدين دون استشارة قائدهم؟
- بومدين في تلك الفترة كان يتنقل من مكان إلى آخر ولم يكن ينام في منزله خوفا على حياته، وفي هذا الصدد وللتاريخ وأقولها بكل صراحة ولأول مرة، هناك مسؤولون اقترحوا على العقيد زبيري اغتيال بومدين عوض اتخاذ موقف عسكري ضده، فقال لهم زبيري: ”والله لا ولن أسمح لنفسي بأن أعطي تعليمات للاغتيالات السياسية، سواء أكان بومدين أو غيره حتى لا تصبح الاغتيالات السياسية أسلوبا في تغيير الحكم”. والذين اقترحوا على زبيري هذه الفكرة الجهنمية، تنصلوا من مواقفهم مع الطاهر زبيري، ونحن لم نذكر أسماءهم للمصالح الأمنية حتى لا تتشعب القضية.
عمار ملاح صرح لنا شخصيا بأن أحمد دراية، مدير الأمن الوطني في عهد بومدين، خطط لاغتياله، فهل تؤكدون هذا الكلام أو تنفونه؟
- صحيح أن أحمد دراية عرض على العقيد الطاهر زبيري تصفية الرئيس بومدين جسديا دون اللجوء إلى عمل عسكري ضده، ومن ضمن الأشياء التي تركت دراية يتخلى عن الطاهر هو عدم قبوله لفكرة الاغتيال، وعرض هذه الفكرة على زبيري بعد عودته من الليدو، حيث كان يحتمي بفيلق الدبابات. أحمد دراية كان الوحيد إلى جانب الرائد أحمد عبد الغني اللذين لم يكشف أمرهما، بالرغم من أن المصالح الأمنية وخاصة قاصدي مرباح ويزيد زرهوني، طلبوا منا معرفة مستوى مشاركة دراية وأحمد عبد الغني في حركة 14 ديسمبر.
ألم يكتشف الرئيس بومدين إلى غاية رحيله، أن مدير الأمن الوطني كان يحرض على اغتياله؟
- أحمد دراية الذي عيّن نائبا لمحكمة الثورة التي أقامها بومدين لمحاكمة الضباط والمدنيين الذين شاركوا في حركة 14 ديسمبر 1967، طلب من والدي أن لا أتطرق لبعض أسرار القضية وفهمت أنه يقصد اقتراحه على العقيد زبيري اغتيال بومدين وهو ما رفضه قائد الأركان بشكل حاسم، رغم أن مكتبه ومكتبي كانا ملاصقين لمكتب بومدين في مقر الرئاسة وكان بالإمكان وضع السم في شرابه أو طعامه بسهولة. وكان مدير المخابرات، آنذاك، قاصدي مرباح ومعه نور الدين يزيد زرهوني، يشكّون في أمر دراية وحققوا معنا بشأنه، لكننا لم نكشف لهم حقيقة أحمد دراية حتى لا نعقد قضيتنا، وقد طرح دراية هذه الفكر






















